تسقط حماس وتحيا غزة..... بقلم ميشيل نجيب       رفقا بالقوارير ياناس ، المرأة أكثر مخلوق مضطهد في العالم       رويترز : الدولة الإسلامية تنشر فيلم فيديو يهدف لشن حرب نفسية على الجنود العراقيين       هاكرز يستهدفون "القبة الحديدية" الإسرائيلية       الكويت تخير مئات آلاف الأشخاص بين جنسيتها أو الجنسية السعودية       حكومة ألمانيا تحث على استخدام "بلاكبيري"       فندق يستبدل مفاتيح الغرف بالهواتف الذكية       الديمقراطية من وجهتي نظر متعاكستين.. بقلم فريد جلو       عزة الدوري ..وغزة ..ومسيحي الموصل الحلقة المفقودة في الشرق.. بقلم شيرين سباهي       أحذروا مؤتمر باريس المشئوم... بقلم إبراهيم أبراش    
 

     القائمة الرئيسية

 
 

     أقسام الاخبار

  • سياسية ـ مقالات وأخبار
  • اقتصادية ـ مقالات وأخبار
  • اجتماعية ـ مقالات وأخبار
  • علمية ـ مقالات وأخبار
  • أدب وشعر
  • آراء حرة ـ مقالات وتقارير
  • كتب وإصدارات ودراسات
  • رياضة وشباب
  • دين ومجتمع
  • فنون ـ تقارير وأخبار ومقالات
  • تحت المجهرـ أسرار وخفايا
  • صحة أخبار وتقارير ومقالات
  • منوعات ـ من هنا وهناك
  • عسكرية ـ أخبار وتقارير
  • شؤون قانونية ـ أخبار ومقالات
  • سياحةـ تقارير وأخبار
  • قضايا الشرطة وجرائم وتحقيقات
  • تراث شعبي
  • تاريخ ـ مواقع أثرية وحضارات
  • سينما وتلفزيون ومسرح
  • من الذاكرة
  • مواقع أليكترونية
  • صورة وتعليق
  •  
     

         تسجيل الدخول



    المستخدم
    كلمة المرور

     
     

         عدد الزوار

    12333471
     
     


    شبكة عراق العرب » الأخبار » أدب وشعر


    الشعر السياسي عند البارودي د. عماد الدين الجبوري



    يعد محمود سامي البارودي (1838-1904) أحد أبرز أقطاب النهضة الأدبية العربية الحديثة. فقد ساعد على بث الشعر العربي الأصيل، وذلك بتخليصه من الشوائب العالقة فيه من ضعف وركاكة وإسفاف وتكلف مصطنع في المناسبات واللقاءات وغيرها. والسبب في كل هذا، إنما يعود إلى الحكام المسلمين الدخلاء على العربية؛ حيث لا يميلون إلى الارتباط باصالة التراث العربي، بقدر ما يحبذون الالتزام بمصالح ونزعات الطبقة السياسية التسلطية بأسم الخلافة. وهكذا رزح العرب تحت الحكم العثماني وقبعوا في قرون خمس دامسة الظلام، أدت بهم إلى التقهقر في كل النواحي والميادين العلمية والفكرية والأدبية، وما عاناه الشعر العربي من ركون مزمن.

            وهنا تبرز أهمية شعر البارودي في احتوائه إلى الروح العربية القديمة -رغم أصله الشركسي- فقد كان باعثاً ليس في إحياء الشعر العربي الأصيل فقط، بل وفي تجديده أيضاً. وحول هذا الأمر يقول البارودي عن نفسه: "ولقد كنت في ريعان الفتوة واندفاع القريحة بتيار القوة ألهج به لهج الحمام بهديله وآنس به آنس العدول بهديله لا تذرعاً إلى التوبة ولا تكلماً إلى نمنم احتوته وإنما هي أغراض حركتني وإباء جمح بي وغرام سال على قلبي فلم أتمالك أن أهبت فحركت به جرسي". مقدمة "الديوان" ص5.

           ورغم أن شعر البارودي يشمل على جوانب عديدة في: الغزل والحرب والزهد والمعارضة الشعرية الخ. إلا أننا سنبحث في الجانب السياسي لِما له من أهمية على المستويين النظري والعملي، كونه لم يكن شاعراً فحسب، بل كان أيضاً شخصية كبيرة عسكرياً وسياسياً وإدارياً وتقلد مناصب رفيعة ومهمة في الدولة المصرية.

    أولاً: البارودي والثورة العرابية

             بدأت قصائد البارودي السياسية وهو على وشك الثلاثين من العمر. عندما كانت مصر تعاني من ثقل الديون الأجنبية التي كبلها بها الخديوي إسماعيل (1830-1895) أثناء فترة حكمه ما بين (1863-1879) مما أدى إلى خلعه عن العرش. حيث كانت كل من فرنسا وبريطانيا تضغطان على مصر وتتدخلان في شؤونها. وفي هذه الفترة السافرة من التدخل جعلت البارودي أن يترك حياة الدعة واللهو وما يتعلق بذلك من شعر الغزل والخمر والجيد الحسان، لينظم شعراً يجابه به مشاكل الواقع، وفي هذا الصدد يقول:

    فيا قوم هبوا إنما العمر فرصة     وفي الدهر طرق جمة ومنافع

    أصبراً على حسن الهوان وأنتم   عديد الحصى؟ إني إلى الله راجع

    وكيف ترون الذل دار إقامة       وذلك فضل الله في الأرض واسع

             وبما أن الشعب المصري لم يستجيب لندائه، لذا فقد نعتهم بالصم كأنهم "تماثيل" لا حس لها. وأن قلوبهم مثل "القوارير" هشة سهلة الكسر. وسواء كان نقده لهذا السبب أو غيره، فأن البارودي قد هادن الخديوي ورضي أن يسير في ركابه حيث تقلد منصباُ إدارياً مرموقاً. لكنه لم يخفي لوعته تجاه ما يجري ويدور من حقائق، فما كان منه إلا أن يلوذ إلى "الدهر" يلومه على أيامه هذه:

    ألم يأت للأيام أن تبصر الهدى   فتخفض مأفوناً وترفع جهبذا؟

    إذا لم يكن الدهر خبل لما عدا    يسير بنا في ظلمة الجور هكذا

                ومع ذلك فأن البارودي كانت له صلة سرية بحركة الضباط الأحرار، لاسيما عندما كان محافظاً للقاهرة. ورغم أن الخديوي إسماعيل يعلم بهذا الأمر، فأنه لم يبطش به؛ ربما أراد منه أن يكون حبل الوصل يشد ويرخي من خلاله. بدليل أن الخديوي عندما ألقى القبض على الضباط المتمردين قدمهم إلى البارودي. ويشير أحمد عُرابي (1841-1911) عن هذا الجانب قائلاً: "طَلبًنا مأمور الضبطية محمود سامي باشا البارودي وأخبرنا بما أخبرنا به عبد القادر باشا حلمي فأجبناه، بمثل ما أجبنا به من قبله وانصرفنا. وقد أنست فيه تأففاً من الظلم والاستبداد وميلاً إلى العدل والدستور". (كشف الأسرار عن سر الأسرار، ج1، ص 46).

               ولقد ذم البارودي حكومة إسماعيل ذماً مبرحاً. فهؤلاء الرجال في السلطة إن هم إلا أوغاد قد "ذلت بهم مصر بعد العز" التي كانت تحياه:

    من كل وغد يكاد الدست يدفعه          بغضاً ويلفظه الديوان من ملل

    ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت  قواعد الملك حتى ظل في خلل

    لا يدفعون يداً عنهم لو بلغت            مس العفافة من جبن ومن خذل

    هيهات يلقى الفتى أمناً يلذ به           ما لم يخص نحوه بحراً من الوهل

              هذا وبعد الضغط الفرنسي والبريطاني على السلطان العثماني في عزل إسماعيل، تم اعتلاء أبنه توفيق (1853-1892) منصب العرش. وكان البارودي شأنه شأن الكثير من المصلحين الذين رحبوا بهذا التغيير وأعتبره فاتحة خير. وتم تعين البارودي وزيراً للمعارف والأوقاف، فأنشد قصيدته المطولة التي يقول في مطلعها:

    أبني الكنانة أبشروا بمحمد    وثقوا براع في المكارم أرغد

    فهو الزعيم لكم بكل فضيلة   تبقى مآثرها وعيش أرغد

    ملك نمته أرومة علوية        ملكت بسؤددها عنان الفرقد

             إن الإطراء والتبجيل التي حوته القصيدة يعود سببه إلى أن البارودي كان يعمل سابقاً مساعداً عند الخديوي توفيق. ومع ذلك ففي عهد هذا الخديوي الجديد بدأ الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 عندما أعلن أحمد عُرابي ثورته. إذ قبل اندلاع الثورة ظهرت حركة الضباط الأحرار ثانية على السطح السياسي، من جراء التعسف والتعصب والإهمال والحرمان تجاه حقوقهم المشروعة. وكان البارودي منتدباً لمفاوضة زعماء الحركة. وبذلك ازدادت الثقة بينه وبين الضباط. وأجرى البارودي، باعتباره وزيراً للحربية، تعديلاً على القوانين العسكرية. (الثورة العرابية والاحتلال الإنكليزي، ص 107).

             بيد أن الإذعان الذي دفع بتوفيق أن يستجيب لمطالب الحركة كان سببه تأثير جمال الدين الأفغاني (1839-1897) حسب رأي المؤرخ العراقي علي الوردي. "فقد كان توفيق باشا ماسونياً وكان علاوة على ذلك محباً للأفغاني ومعجباً بأفكاره. وأخذ الأفغاني يوجه أعضاء محفله الماسوني نحو العمل الجدي لإصلاح الجهاز الحكومي وجعلهم عدة فئات وأناط بكل فئة فيهم مراقبة الدوائر في وزارة من الوزارات، ففئة للحقانية وأخرى للمالية وثالثة للأشغال ورابعة للجهاد". (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ص 280 وما بعدها).

              عموماً فأن الخديوي توفيق قد أقال البارودي من منصبه وعين مكانه صهره داود يكن. بالإضافة إلى أن رياض رئيس الوزراء لم ينفذ شيئاً تجاه عملية الإصلاح عندما لاحظ ضعف الوزارة لحساب قوة الجيش. فما كان من البارودي إلا أن أعلن انضمامه وتأييده إلى الثورة العرابية:

    حلبت أشطر هذا الدهر تجربة   وذقت ما فيه من صاب ومن عسل

    فما وجدت على الأيام باقية      أشهى إلى النفس من حرية العمل

              ويقول أحمد عُرابي: أن البارودي "أقسم أنه مستعد أن يضحي بحياته ويجود بآخر نقطة من دمه في تنفيذ رغبتي ويجرد حسامه وينادي بأسمي خديوياً لمصر إذا رغبت في ذلك... فقلت له يا محمود باشا فإني لا أريد إلا تحرير بلادي. ولا أرى سبيلاً لنوالنا إلا بالمحافظة على الخديوي كما صرحت بذلك مراراً وتكراراً... فقال أنا لا أقول لك إلا حقاً وأنت أحق بهذا الأمر مني ومن غيري، فشكرته على ثقته بي وتم الحديث" (كشف الأسرار.. 271-271).

              وعندما نال البارودي رئاسة الوزارة، ركز على إعلان الدستور وإجراء الانتخابات البرلمانية، وكسب بذلك ثقة الشعب. وهذا بحق ما كان ينشده في شعره بأن الحرية والديموقراطية هي مقومات وأُسس نظام الحكم الصالح:

    سّن المشورة، وهي أكرم خطة      يجري عليها كل داعٍ مرشد

    هي عصمة الدين التي أوصى بها  رب العباد إلى النبي محمد

    فمن استعان بها تأيد ملكه            ومن استهان بأمرها لم يرشد

               بيد أن الطموح السياسي عند البارودي لم يكن منهياً بنيل رئاسة الوزارة وإقامة نظام دستوري ديموقراطي. بل كان "يطمح أيضاً إلى العرش كما نوه عٌرابي إلى ذلك في مذكراته. وهذا الطموح هو من العوامل التي جعلته في عهد وزارته يميل إلى اصطدام بالخديوي، على حين كان من الميسور تقريب مسافة الخلف بينه وبين العرابيين". (الثورة العرابية.. ص 564). وبعد فشل الثورة ونفي أحمد عُرابي، راح البارودي يصب جام غضبه على الخديوي توفيق:

    سكن الفؤاد، وجفت الآماق   ومضت على أعقابها الأشواق

    تالله أهدأ أو تقوم قيامة        فيها الدماء على الدماء تراق

    قلبي على ثقة ونفسي حرة   تأبى الدني وصارمي ذلاق

               الحق والحق يقال، عندما كان البارودي رئيساً للوزراء وأدرك أن ثورة عُرابي لا يمكن لها أن تنجح بسبب الفوضى وعدم وجود قيادة حكيمة للجند، لذا حاول جاهداً أن يصلح الموقف بين عُرابي والثوار من جهة. والخديوي توفيق ورجاله من جهة أخرى. لكن الأحداث سارت على إيقاع سريع لم يسطع البارودي أن يحقق مسعاه في إصلاح الوضع. ولقد نظم قصيدة عبر بها عن واقع الحال يقول فيها:

    من خالف العزم خانته معاذره   ومن أطاع هواه قلّ ناصره

    كنا نود إنقلاباً نستريح به         حتى إذا تمّ ساءتنا مصايره

    فالقلب مضطرب فيما يحاوله    والعقل مختبل مما يحاذره

                ولكن حسابات البارودي في نظره وحذره لم تفلح في إيقاظ المتصارعين. كما وأن الاسطول البريطاني في مرابض ساحل الإسكندرية، حسبه سيكون مع الديموقراطية ضد العرش المستبد. وخابت كل توقعاته، إذ في 11-5-1882 ضرب الاسطول مدينة الإسكندرية، ثم استولى على قناة السويس، وبعدها سقطت بور سعيد في 20-8-1882. فأنشد البارودي ما كان ينذر ويحذر من أجله، ولكن قد "انقضى الأمر" وليس هناك غير الندم والحسرة:

    لعمري لقد أيقظت من كان راقداً   وأنذرت لكن لم تكن تنفع النذر

    نصحت فكذبتم فلما أتى الردى     عمدتم لتصديقي وقد أنقضى الأمر

    فلم يبق في أيديكم غير حسرة      ولم يبق عندي غير ما عافه الصدر

               وعن معاناته النفسية تجاه ما جرى من انكسار للثورة واندحار لرجالها، حيث حطمت طموحاته وبعثرت آماله التي كان يرومها في سدة الحكم، يقول متحسراً:

    تأوب طيف من سميرة زائر       وما الطيف إلا ما ترويه الخواطر

    ملكت عقاب الملك وهي كسيرة   وغادرتها في وكرها وهي طائر

                والغريب في الأمر أن البارودي قد شارك في معارك عديدة وأبلى بلاءً حسناَ في ماضيه الحربي، لكنه أيام الثورة كان أقل من ذلك. خصوصاً عندما أناط به أحمد عُرابي قيادة موقع الصالحية. إلا أنه لم يحسن التوقيت، فتأخر عن الدخول والاشتباك في "معركة التل الكبير" التي كانت الفاصلة الحاسمة للثورة. ولذلك يقول عُرابي بأنه: لما علم البارودي ومن معه من الضباط "بهزيمة التل الكبير تركوا مراكزهم وقاموا مع عساكرهم بقطارات السكة الحديدية إلى المنصورة ومنها إلى طنطا ثم إلى أتياي البارود وهناك انحل النظام وخرجت العساكر عن الطاعة وتوجه كل منهم إلى بلده". (مذكرات عُرابي، ج2، ص 31).

             وفي 15-9-1882 سلمت القاهرة. وزج بزعماء الثورة داخل السجن. وكان البارودي منهم، رغم أصله الشركسي وقرابته من أسرة محمد علي. وفي السجن نظم البارودي عدة قصائد منها:

    شفنِ وجدي وأبلاني السهر   وتغشتني سمادير الكدر

    بين حيطان وباب موصد     كلما حركه السجان صّر

    يتمشى دونه حتى إذا          لحقته نبأة من استقر

    كلما درت لأقضي حاجة     قالت الظلمة: مهلاً، لا تدر

               وعندما تم تجريد البارودي من جميع ألقابه ومناصبه وأمواله وأملاكه، لم يشعر بالوطأة أكثر من شعوره المؤلم من بعض الرفاق الذين بسببهم وصل به الأمر إلى هذا الحال. فهم بين "منافق" وأحمق و "فاسق"، وليس فيهم بحق من صادق. وهذا ما كان يرهق البارودي وغيره من زعماء الثورة:

    لأي خليل في الزمان أرافق     وأكثر ما لاقيت خبّ منافق

    بلوت بني الدنيا فلم أرَ صادقاً   فأين لعمري-الأكرمون الأصادق؟

               ويشير البارودي إلى أسبقيته لاستجابة الدعوة في قيام الثورة، ولكن الذين دعوه تركوه يقاتل وحده عندما أشتد "الجد" حيث فروا وكانوا "للحق رامق". رغم أنه قبل نشوب القتال حذرهم وأنذرهم بهذا الشر الماحق، إلا أنهم لم يصدقوا يقينه "فتباً لهم". ليته لم يشترك معهم وليته شاور عقله:

    دعوني إلى الجلى فقمت مبادراً   وإني إلى أمثال تلك لسابق

    فلما استمر الجد ساقوا حمولهم   إلى حيث لم يبلغه حاد وسائق

    فلا رحم الله أمراً باع دينه         بدنيا سواه وهو للحق ماحق

    على إنني حذرتهم غبّ أمرهم    وأنذرتهم لو كان يفقه مائق

    ثانياً: البارودي والمنفى

              لم تستجب السلطات البريطانية إلى مطالب الخديوي توفيق بإعدام زعماء الثورة. لا لشيء إلا خشية أن يظهروا أمام الرأي العام العالمي بأنهم ثوار ذوي قضية، واكتفت بنفيهم عن مصر. وفي 20-2-1883 نقلت باخرة إنكليزية زعماء الثورة ومن بينهم البارودي الذي ذهب وحيداً دون أسرته إلى المنفى في سيلان (سريلانكا). ولقد كتب عن ذلك:

    لما وقفنا للوداع وأسبلت          مدامعنا فوق الترائب كالمزن

    أهبت بصري أن يعود فعزني   وناديت حلمي أن يثوب فلم يغن

    ولم تمضي إلا خطرة ثم أقلعت  بنا عن شطوط الحي أجنحة السفن

                وفي 1-9-1883 وصلت الباخرة إلى كولومبو عاصمة سيلان. ولقد أنصرف البارودي في منفاه إلى الشعر تماماً دونما أن يختلط مع بقية الثوار الذين أشتد بينهم الانقسام. وكان يرجو من ذوي القربى والأصدقاء المقربين الذين لهم شأن في حياة مصر أن يتوسطوا له بغية عودته إلى القاهرة. حيث أن مناخ جزيرة سيلان لا يلائم صحته وأصبح "عليلاً" من شدة ما يلقاه، ومن لوعته أيضاً. ويعبر في قصيدة طويلة قائلاً:

    ترحل من وادي الأراكة بالوجد  فبات سقيماً لا يعيد ولا يبدي

    سقيماً تظل العائدات حوانيا      عليه بإشفاق وإن كان لا يجدي

              وبما أن توسلات البارودي لم يستجيب لها أحد، لذا أتجه معتكفاً على نفسه في سرد واستعراض ذكريات الماضي وقت عزه ومجده. ويدعو نفسه إلى "الصبر" لهذا الذل الذي يعتصره في مدينة سرنديب. ولكن "لا أنيس" له يخفف عنه وطأة المنفى غير الهم. وهكذا كان منجذباً أكثر إلى الأيام التي "سلفت". إنها أطلاله التي يتحسر عليها بحرقة وليس له من محيص غير أن يسلم أمره إلى "المولى" تعالى لأن بعد "الضيق" يأتي الفرج:

    أكلف النفس صبراً وهي جازعة  والصبر في الحب أعيا كل مشتاق

    لا في سرنديب لي خل ألوذ به    ولا أنيس سوى همي واطراقي

              ويروي البارودي في قصائد كثيرة عن الذين وعدوه بالتوسط له من أجل عودته إلى مصر، وفشل كل تلك المساعي ومنها وساطة حاكم سيلان الإنكليزي، وكذلك موافقة السلطات البريطانية على رحيله، غير أن الخديوي توفيق كان مصراً على نفيه. فبدأت الشيخوخة تقترب قبل أوانها وتدب في هيكل البارودي:

    كيف لا أندب الشباب وقد أصبحتُ  كهلاً في محنتي واغتراب

    أخلق الشيبَ جدلتي وكساني         خلعة فيه رثة الجلباب

    ولوى شعر حاجبي على عيني      حتى أطل كالهدّاب

                وعندما طالت سنوات النفي، وبدأت الأخبار المفجعة تغدو إليه مثل: وفاة زوجته، ثم بعض أولاده وأصدقاءه. فكان يرثيهم بقصائد تخص كل واحد منهم، ومنها قصيدته التي نظمها في صديقه الأديب اللغوي أحمد فارس الشدياق (1804-1888) الذي يقول في مطلعها:

    متى يشتفي هذا الفؤاد المفجع    وفي كل يوم راحل ليس يرجع

    أبعد سمير الفضل أحمد فارس  تقر جنوب أو يلائم مضجع

               هذا ورغم محنة المنفى فأن البارودي يشير إلى أن إرادته لم تضعف. فالصبر على البلاء هي من عزم الأمور ومن شيم الرجولة والأخلاق. كما وينفي عن نفسه تهمة أنه أشترك مع الثوار من أجل نيل الملك لنفسه. فهو لم يهدف من هذا الاشتراك غير العدل والحرية الانتخابية، وهذه من صلب تعاليم الإسلام:

    إذا المرء لم ينهض لما فيه مجده   قضى وهو كلّ في خدور العوائق

    يقول أناس أنني ثرت خالعاً        وتلك هنات لم تكن من خلائقي

    ولكنني ناديت بالعدل طالب        رضا الله واستنهضت أهل الحقائق

              وإذا ألمح البارودي إلى رجال الدين كي يقرون بالحقائق، فأنه ينتقد أيضاً بطانة توفيق. فهو لم يشترك بالثورة إلا من أجل "إطاعة" الخالق. ذلك لأنها "فرض من الله" غير أن رجال السياسة وحاشية الخديوي قد "أسرعوا" إلى نقض الحقائق، فدب الاضطراب. وقامت عصابة من الجند" بالعصيان ضد الظلم وشاركهم أبناء البلاد. ويود البارودي بأن تعود الأمور إلى سابق عهدها بلا نزاع ولا صراع، ليعود إلى الأهل والوطن؛ فأنه "بفضل الله" واثق من ذلك. وهو هنا إنما يستعطف توفيق لكي يلين من موقفه المتصلب، مستهلاً قوله:

    أمرت بمعروفٍ وأنكرت منكراً   وذلك حكم في رقاب الخلائق

    فإن كان عصياناً قيامي فإنني     أردت بعصياني إطاعة خالقي

               ومثلما نقد وهاجم البارودي رفاقه في المنفى، فأنه قد وجه سهام نقده إلى سكان الجزيرة أيضاً. رغم أن أهل سيلان قد أحسنوا استضافتهم له ولبقية الثوار. وهذا الأمر يعود قطعاً إلى شدة الغربة من ناحية. ولعدم ملائمة المناخ لصحة البارودي من ناحية أخرى. حيث يقول:

    أن سرنديب على حسنها   يسكنها قوم قباح الوجوه

    من كل قدم لائك مضغه   يمجها كالدم في الأرض فوه

    تحسبه من نضح أشداقه   ركيّة تجري دماً أو تموه

    لا يشبه الوالد مولوده      فيهم ولا المولود منهم أبوه

    ثالثاً: عزوف البارودي عن السياسة

              بعدما أصاب البارودي اليأس والقنوط تجاه ما وصلت وآلت إليه حياته، حيث لم يحقق ما كان يرنو ويتمناه في الحكم من الحرية والديموقراطية وبسط العدل والمساواة؛ كما وأنه قد دفع ثمن كبيراً جراء اشتراكه في الثورة العرابية. لذلك قرر هجر السياسة تماماً، لاسيما وأن توسلاته المتكررة بالعودة إلى الوطن قد خابت وتلاشت.  وهكذا اعتكف على كتابة الأشعار التي جعلها مسرحاً يعرض فيها أمجاده الماضية تارة. وهجومه الهجائي الحاد على رجال السلطة تارة أخرى. وما بين هذا وذاك فقد كان البارودي يترنح حزناً وألماً وضيقاً:

    إلام يهفو بحلمك الطرب      أبعد خمسين في الصبا أرب

    هيهات ولي شباب واقتربت  ساعة ورددنا بها القرب

    فليس دون الحمام مبتعد      وليس له من فنائها هرب

               أن عزوف البارودي لم يكن مقتصراً على السياسة فقط، بل وعن الحياة كونها فانية. وإن "كل حي" فيها زائل لا محالة إلى الموت. فأين الذين ملكوا وتجبروا؟ إذن فأن "الدنيا خيال" واهم شيء للإنسان فيها أن يتقي الله:

    كل حي سيموت     ليس في الدنيا ثبوت

    أيها السادر قل لي   أين ذاك الجبروت

    أين أملاك لهم في   كل أفق ملكوت

    إنما الدنيا خيال      باطل سوف يفوت

    ليس للإنسان فيها   غير تقوى الله قوت

             الواقع أن البارودي قد نظم قصائد كثيرة وفق هذا الطراز المعبر عن الزهد والعزوف عن الدنيا ونعيمها. لكنه كتب أيضاً بلغة الهجاء الحادة واللاذعة، وبالأخص حيال رجال السياسة المحسوبين على بطانة الخديوي توفيق. فهو عندما يهجو "فلان وزيراً" فإنما يعني ويقصد النظام كله:

    إن مُلكاً فيه فلان وزيراً   لمباح للخائنين ويلُّ

    أهوج، أحمق، شتيم، لئيم  أغتم، أبله، زنيم، عُتلُّ

            هذا وبعد أن مات عدداً من المنفيين بسبب تبدل المناخ. وكان البارودي قد اشتدت عليه سوء صحته، وسعى الشيخ محمد عبده (1849-1905) بكل جهد لكي يعيد البارودي من منفاه. خصوصاً وأن عبده كان من رجال الثورة، لكنه تعهد بترك السياسة مقابل عودته إلى مصر. لذا فقد تمت عودة البارودي، إذ في 12-9-1899 وصلت الباخرة إلى قناة السويس وعلى متنها شاعرنا الكبير. فبقى أربعة سنوات في داره، وبعدها أعاد له عباس الأول (1892-1914) كل أمواله وأملاكه. وعلى فراش الموت قال البارودي:

    أنا مصدر الكلم النوادي   بين الحواضر والبوادي

    أنا فارس أنا شاعر        في كل ملحمة ونادي

    فإذا ركبت فأنني           زيد الفوارس في البلادِ

    وإذا نطقت فأنني          قس بن ساعدة الأيادي

    هذا وذلك ديدني          في كل معضلة نادِ

    رابعاً: آراء البعض

              رغم أن جل الباحثين والدارسين يتفقون على أن الهدف السياسي الذي سعى البارودي إلى تحقيقه يكمن في الحرية والعدل وإقامة نظام ديموقراطي تأثراً بما شاهده في فرنسا وإنكلترا. بيد أن تقييم هذا الهدف بين الطموح الشخصي للبارودي وبين مبادئه أو مواقفه التي عدل وبدل فيها. وهنا تتفاوت آراء البعض، لاسيما وأن البارودي كان صهراً للأسرة الخديوية. فقد تزوج ابنة أحمد يكن الذي هو ابن أخت محمد علي والي مصر (1805-1848) ومؤسس الدولة الحديثة فيها. فلماذا يثور ضد هذه العائلة الحاكمة وهو قريبها؟

             فعن جانب التعديل والتبديل، كان البارودي ينظم القصائد ثم يغير بعضها تمشياً للظرف الذي يمر به. وبالأخص بعد عودته من المنفى. يقول محمد حسين هيكل في مقدمة "الديوان" بأن البارودي: "إذا خلا إلى نفسه بعد عودته من المنفى رتب مختاراته وعني بتنقيح ديوانه يريد إعدادها للطبع... فأنت ترى الأبيات التي حذفها من بعض القصائد والأبيات الأخرى التي غيرها كلها أو بعضها".

           ولذلك تجد أن القصائد التي نشرها حسين المرصفي في كتابه "الوسيلة الأدبية" قبل صدور "الديوان" فيها ذلك التبديل والتغيير بين الأصل القديم الذي نظمه البارودي وبين الشكل الجديد الذي عدله.

           ويشير أيضاً شوقي ضيف في كتابه "البارودي" قائلاً: "وكان البارودي مع ذلك لا يزال ما ينظمه ويعود إليه بالصقل والتنقيح ويغيّر ويعدل فيه". صفحة 128.

           أما عن الجانب السياسي للبارودي واتصاله بحركة الضباط الأحرار ثم اشتراكه بالثورة. فأن عبد الرحمن الرافعي قد أورد بأن البارودي والضباط الأحرار الذين عمدوا إلى إسقاط وزارة شريف باشا، فأن الأخير "كان بلا منازع أقدر من البارودي على حسن تدبير الأمور في تلك الأوقات العصيبة، أما البارودي فقد كانت نشأته أدبية وحربية فحسب". وجاءت أماله بعيدة الأفق لا تقف عند حدّ حتى بلغت التطلع إلى العرش. (الثورة العرابية.. ص، 231).

           وحسب تصور هيكل أن البارودي قد تورط بالثورة، لأنه كان مدركاً بأن مجابهة البريطانيين أمر عقيم. وحاول أن يتخلص من اصطفافه مع العرابيين بالاعتزال في مزرعته، "لكن الأمور سارت على غير هواه واندفع الضباط يفكرون في خلع توفيق وقد نازعته نفسه يومئذ إلى مكان المجد وتحركت فيها أسباب الاعتداد بمكان أجداده المماليك الذين حكموا مصر وقصيدته التي مطلعها:

    قلدت جيد المعاني حلية الغزل   وقلت في الجد ما أغنى عن الهزل

    لا تبرئه من هذا التفكير". (الديوان، الصفحات، ه-ق).

              ويؤكد عمر الدسوقي على هذا القول أيضاً. إذ عندما "طالب الجيش بعزل توفيق ونازعته نفسه يومئذ إلى المجد المؤمل وإلى مكان أجداده المماليك الذين حكموا مصر". (الأدب العربي الحديث، ج1، ص 150).

            وينص علي الحديدي في كتابه عن البارودي "شاعر النهضة" عندما أنتابه اليأس فأنه فكر "في أن يجنب نفسه آلام الانتظار وامتهان الإعداد له بالانتحار فيقطع عرقاً من ذراعه ليموت بسهوله، ولكن زملائه ذكروه بواجبه الديني نحو نفسه حتى لا يخسر الآخرة بعد أن خسر الدنيا، فتاب إلى رشده ورجع إليه صوابه واستغفر ربه من هذا التفكير". صفحة 252.

          وإذا أكد بعض الباحثين بأن شعر البارودي عن الذكريات هو تعبير عن حنينه إلى مصر وأهله وإلى أيام الشباب في اللهو. فأن الدكتور عمر محمد الطالب له وجهة نظر أخرى. حيث يقول: "ولكنني كما أراها من خلال شعره مجرد ذكريات لمراتعه وأيام عزه ودعوة واسترحاماً لتخليصه من منفاه ومما هو فيه من ذل". (قراءة ثانية في البارودي، ص69).

            ليس هذا فحسب بل أن عمر الطالب يخالف أيضاً رأي بعض الباحثين الذين يرون أن البارودي قد مات في داخله عندما تحطمت آماله وتلاشت في مهب الريح، وهو لهذا السبب فقد عزف عن السياسة وزهد بالحياة. بينما الطالب يقول: بأنني لا أجد في موت الحياة زهداً، فالزهد هو التبرؤ من كل ما يزيد على إبقاء النفس على قيد الحياة. كما وأن الزاهد يرفض أن يساعده الآخرون، "لا أن يتوسل بالآخرين لإنقاذه مما هو عليه. بهذه السمات الأساسية الجذرية، يجد الباحث الفرق بين الزهد وبين حالة اليأس التي عاشها البارودي" في منفاه. (صفحة 77).

    نقد عام

              نعم أن البارودي أحد الروافد المهمة في إحياء وبعث الشعر العربي بالجزالة اللغوية في السبك والمغزى والتعبير. ويكفي أنه كان زعيم مدرسة نادت بالعودة إلى أصالة الشعر ورونقته، بعيداً عن التصنع والشكل السطحي دون المضمون. وهكذا حرك الشعر العربي من ركوده وسبات جموده. رغم أن هذا الركود تعود أسبابه إلى سلاطين آل عثمان وأجداده من المماليك الذين يجهلون عبقرية اللغة العربية وشعرها المحنك الأصيل. بيد أن البارودي أدرك ما لم يدركه الكثير من الشراكسة والأتراك. فالروح الشعرية العربية ملكت لب فؤاده، فعمد على بعث الشعر القديم وذلك في صلته بالحديث منه. وهكذا بآن التركيب الجمالي للقصيدة، وكان بحق أحد أهم أركان النهضة الأدبية الحديثة في الوطن العربي.

             على أية حال، فأن الاتجاه السياسي الذي سار عليه البارودي والذي خالف به الطبقة الحاكمة، رغم كونه أحد أفرادها؛ فأن أسباب ذلك يمكن أن نوجزها على النحو التالي:

    1- كان البارودي يرفض الظلم والجور، ويتحسس آلام الشعب تحت وطأة حكم الخديوي إسماعيل الذي أنهك الدولة وأفرغ خزينتها إنفاقاً مسرفاُ على حياته الباذخة. وهذا الشعور الإنساني رافقه أيضاً الشعور الوطني وهو يراقب تدخل فرنسا وبريطانيا بشؤون مصر الداخلية نتيجة الديون التي تقرضها للدولة وحاكمها.

    2- أن سفر البارودي إلى فرنسا وإنكلترا وإطلاعه مباشرة على الحياة الديموقراطية والرقي والتقدم في هذين البلدين. جعلته أن يزداد تصلباً ضد الطغيان والاستبداد الذي ينتهجه حاكم مصر.

    3- كان العامل الديني له دوره أيضاً في عقلية ونفسية البارودي. فهو إن أيد الديموقراطية، فلأن الإسلام قد نص على الشورى في الحكم. فكيف يحل الخديوي إسماعيل مجلس البرلمان!

    4- كانت أمه لها تأثيرها الشخصي في تبصرته على حقيقة الأسرة الخديوية التي قتلت أبيه وجده في ظلم غادر.  فتأصلت في نفسية البارودي جذوة الكره والنقمة على هذه الأسرة الفاتكة منذ نعومة طفولته.

    5- بما أن البارودي ذو نسب رفيع، وأن أجداده المماليك الذين حكموا مصر وحاربوا الصليبيين، وأنه يتمتع بكفاءة أدبية وعسكرية وإدارية، لذا كان يجد نفسه أفضل وأولى من إسماعيل وأبنه توفيق اللذان يحفلان بمصالحهما السلطوية على حساب الشعب والدولة.

    6- كان البارودي يتحين الفرص ويستغلها بدقة، حتى أنه بظرف سنوات قليلة وصل إلى مراتب متقدمة في الدولة. إلا أنه لم يكن إنتهازياً مصلحياً، بل سعياً إلى الهدف الأكبر بالوصول إلى العرش الذي يبوح فيه حيناً ويتملص منه حيناً آخراً.

    7- إن صلة البارودي بحركة الضباط الأحرار، وحديثه مع أحمد عُرابي في خلع توفيق، وأحقية الحكم. ومن ثم اشتراكه المترجرج بالثورة، كانت توحي عن مطامحه بالاستيلاء على السلطة ونيل المجد. أما تحذيره إلى عدم طاقة مصر بمحاربة بريطانيا، فأنها تعبر عن حرصه على مركزه من جهة. وعلى الثوار العرابيين من جهة أخرى. فهم السند والقوة إلى ما يصبو إليه، ولكن سارت الريح بما لا تشتهيه السفن.

           أما الأسباب التي ما كان على البارودي أن ينتهجها نظراً لتضاربها مع مبادئه التي سلكها، فأنه يمكن أن نحصرها وفق النقاط التالية:

    1- كان البارودي مفتخراً بنفسه مزهواً بها أكثر مما يجب. كما وأنه في حياته العامة كان متعالياً على الناس. وهذه الصفة ليست من الإسلام بشيء. ومن الطبيعي كانت نشأته لها التأثير الأول. حيث أن أمه كانت تجلب له المعلمين إلى القصر بدلاً من أن يذهب إلى المدرسة مع أقرانه.

    2- رغم أن البارودي كان صادقاً في دعوته للشعب المصري بالثورة ضد الظلم والطغيان. إلا أنه كان يهادن، ويفضل أن يستمر في أركان الحكم الفاسد. وهذا تناقض، لأنه هنا يهدف إلى تحريض دموي دونما أن تناله منه قطرة.

    3- كان البارودي يؤمن بحكم الشعب وبحرية الانتخابات، وسعى جاهداً إلى إقامة نظام ديموقراطي. لكنه يناقض نفسه عندما يعلن بأنه عديم الثقة بالناس، كما جاء في قصيدته النونية المعروفة. والذي يقول فيها: "فلا تأمن على نجواك صدراً، فرب خديعة تحت الأمان".

    4- لم يشترك البارودي في الثورة عند اندلاع شرارتها الأولى، بل فضل أن يكون في مزرعته. وهذا التأخر في تلبية النداء قد ساهم في فشل الثورة. وبالتالي لا يحق له أن يجافي الرفاق في المنفى ويضع اللوم عليهم وحدهم، مكتفياً بما حذرهم منه. فهذه ليست صفة القادة الذين ينبرون بالصفوف الأولى تحت شعار أما النصر أو الشهادة.

    5- لقد انكسر البارودي في حياة المنفى واستسلم إلى اليأس بدرجة مخيفة دفعته للتفكير بالانتحار. لأن توسلاته المتكررة بالعودة إلى مصر لم تنجح. وهنا لا نحمله فوق طاقته، فبعض رجال الثورة ومنهم الشيخ محمد عبده قد جزعوا في السجن بشكل لا يليق بهم. ولكن البارودي المفاخر بنفسه كونه رب السيف والقلم، كان الأجدر به أن يواجه مصيره بشجاعة تساوي وتطلعات طموحاته.

    6- عندما هاجم البارودي سكان جزيرة سيلان، فأن سبب ذلك من شدة الغربة والقنوط، ولم يكن هناك داع ليصب جام غضبه عليهم، وهم الذين أحسنوا تكريمه. فهذا إجحاف ونكران للجميل ينبغي أن يترفع عنه.

    7- بعد عودة البارودي من المنفى إلى مصر، فأن الإجراء الذي عمد إليه في طبع ديوانه حيث بدل وعدل فيه؛ لا لشيء إلا لكي يساير الوضع السياسي. بمعنى أنه تجرد عن حقائق قالها، وهو الواعي العارف بأن التاريخ لا تثبت في عجلته غير الحقائق.

                هذا وأن آراء بعض الباحثين الذين ذكرناهم أمثال: محمد حسين هيكل وشوقي ضيف وسواهم، فأن آرائهم مهما تقاربت أو تفاوتت في تقييم الموقف السياسي في شعر البارودي، فأنها تجتمع على أمرين مهمين وأساسيين؛ الأول: إن البارودي كان يطمح إلى نيل السلطة واعتلاء العرش. والثاني: أنه قطب من أقطاب النهضة الأدبية الحديثة. بيد أن الملاحظة التي أبداها عمر الطالب كانت صائبة. حيث أن ذكريات البارودي لم تكن حنيناً للماضي فقط، كما أشار البعض بل هي توسلات واسترحام لتخليصه من ذل كان يعانيه أيضاً.



    المشاركة السابقة : المشاركة التالية
    إضافة تعليق سريع
    كاتب المشاركة :
    الموضوع :
    النص : *
     
    TO  cool  dry 
    عربي  mad  ohmy 
    huh  sad  smile 
    wub 

    طول النص يجب ان يكون
    أقل من : 30000 حرف
    إختبار الطول
    تبقى لك :



         التقويم الهجري

    الخميس
    3
    شوال
    1435 للهجرة
     
     

         أهم الاخبار

  • محرر الكرديات من الملاهي المصرية: الناصر صلاح الدين مال هذا الوكت !!
  • لاْجيال العراقيين : التاريخ الحقيقي للكويت
  • الدكتور رشدي سعيد الجاف : فضائح مخجلة من داخل شركته .. بقلم موظف قديم
  • شركات العادل المتحدة لصاحبها رشدي الجاف : هل هي واجهة لشركة إسرائيلية ؟بقلم حارث السامرائي*
  • عن "موسادية" الشرق الأوسط
  • الضعف و العجز الجنسي
  • عادات الزواج في كردستان العراق
  • فوائد الجوز(عين الجمل) الطبية
  • رشدي سعيد الجاف ، هل سرق أموال عائلة حسني مبارك ؟ ...بقلم أحمد دهوكي
  • الدكتور رشدي سعيد الجاف ،مرة أخرى !! رسالة من السيد غالب حسين ورد شبكة عراق العرب
  • الدكتور رشدي سعيد عبد القادر الجاف: حقائق جديدة عنه !!
  • برنامج المحادثات المجاني “Viber” برنامج للتجسس السري على هواتفكم
  • الصابئة المندائيون
  • أشهر 5 أجساد محنطة في العالم
  • عادات وطقوس الزواج في الموصل
  • وزير الامن الاسرائيلي يعترف بسعي أسرائيل لتقسيم العراق
  • الجرجير صيدلية دوائية متكاملة غني بالفيتامينات والأملاح المعدنية ومضادات الأكسدة
  • المنتج محمد المجالي يقاضي رجل الاعمال رشدي قادر الجاف ( 20 صورة وجنون العظمة)
  • عودة الى موضوع (النصاب رشدي سعيد الجاف وجه جديد يذكرنا بمحتالي سامكو)رد شبكة عراق العرب
  • النصاب رشدي سعيد الجاف وجه جديد يذكرنا بمحتالي سامكو *
  • قاموس الغذاء العلاجي
  • عشر حقائق عن إنقاص الوزن الدائم
  • موضوع مهم :كيف يعمل WhozCalling ويظهر رقم المتصل دون ان تخزنه لديك ؟
  • موسوعة للتخلص من البدانة و الدهون
  • تاريخ آل سعود.. للشهيد ناصر سعيد.. الجزء الثاني
  • تاريخ آل سعود.. للشهيد ناصر سعيد ...الجزء الأول
  • معلومات مفيدة قد لا تعرفها
  • المقويات الجنسية الطبيعية
  • معلومات عجيبة غريبة مفيدة. . ربما الكثير منا لم يسمع بها
  • معلومات غريبة عن العقل البشري
  •  
     

         أبحث عن مقالة أو كاتب





     
     

         iraqalarab@yahoo.com

     
     

         حكمة من عراق العرب


    إذا ذكـرت الذئـب فخـذ الحـذر.‏
     
     
     

    إن هذه الشبكة غير مسؤولة عما تحتويه المقالات وإنما هي مسؤولية كتابها

    iraqalarab.net Copyright© 2009


    Copyright© 2009 بإستخدام برنامج البوابة العربية 2.2